الشيخ أحمد فريد المزيدي

158

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

باب في العقل والعاقل قال جعفر الخلدي : سألت الجنيد عن مسألة في العقل ؟ فقال : يا أبا محمد ، من لم يحترز بعقله من عقله لعقله هلك بعقله « 1 » . قال الجنيد : من ادّعى أن له حالا مع اللّه أسقط عنه التكليف ، وهو حاضر العقل ، فهو كاذب ، ومن يسرق ويزني أحسن حالا ممن يقول ذلك « 2 » . سئل الجنيد : متى يكون الرجل موصوفا بالعقل ؟ قال : إذا كان للأمور مميزا ، ولها متصفّحا ، وعمّا يوجبه عليه العقل باحثا ، يبحث ، يلتمس بذلك طلب الذي هو به أولى ، ليعمل به ، ويؤثره على ما سواه ، فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كل أحواله بعد إحكام العمل بما قد فرض عليه ، وليس من صفة ركوب الفضل في كل أحواله بعد إحكام العمل بما قد فرض عليه ، وليس من صفة العقلاء إغفال النظر لما هو أحقّ وأولى ، ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير ، فمن كانت هذه صفته بعد إحكامه لما يجب عليه من عمله ترك التشاغل بما يزول ، وترك العمل بما يفني وينقضي ، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا ، وكذلك لا يرضى أن يشغل بما يفني وينقضي ، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا ، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ، ويسير حائل ، يصدّه التشاغل به ، والعمل له عن أمور الآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها ، ويتصل بقاؤها ، وذلك أن الذي يدوم نفعه ويبقى على سوء العاقبة فيه ومحاسبة اللّه عليه فكذلك صفة العاقل ؛ لتصفّحه الأمور بعقله ، والأخذ منها بأوفر ، قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الزمر : 18 ] ، كذلك وصفهم اللّه ، وذوو الألباب هم ذوو العقول ، إنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم اللّه به ؛ للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها ، وأحسن الأمور هو أفضلها ، وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل ، وإلى ذلك ندب اللّه عز وجلّ من عقل في كتابه « 3 » . يقول الجنيد : ينبغي للعاقل ألا يفقد من إحدى ثلاثة مواطن : موطن يعرف فيه حاله ، أمزاد أم منتقص ؟ وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه وإلزامها ما يلزمها ، ويتقصّى فيه على

--> ( 1 ) انظر : الشذرات لابن العماد ( 2 / 228 ) . ( 2 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 574 ) . ( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 277 ) .